اهداء الى الكاتب الكبير واﻻعلامى العظيم=ابراهيم عيسي
اهداء للكاتبه الكبيره فريده الحلوانى ومتابعيها
سر اللوحة المختفية في حي الزمالك
في حي الزمالك، حيث تتنفس الشوارع عبق التاريخ وتصطف الأشجار الضخمة كحراس على ذكريات الطبقة الأرستقراطية القديمة، كانت هناك عمارة تُعرف باسم "عمارة الفنار". لم تكن العمارة تطل على النيل مباشرة، لكنها كانت تملك إطلالة على حديقة سرية مهملة تتوسط المباني. في الدور الرابع، عاش "مازن"، وهو شاب يعمل في تقييم التحف والمقتنيات النادرة، ورث عن والده مكتباً صغيراً وحساً فنياً لا يخطئ. مازن كان يعتقد أن كل قطعة فنية تخفي وراءها جريمة أو قصة حب فاشلة، وكان يبحث دائماً عن "الروح" خلف المادة.
سر اللوحه المختفيه في حي الزمالك
بدأت القصة عندما تلقى مازن اتصالاً من سيدة تدعى "ناهد هانم"، وهي أرملة لسياسي سابق كان يملك مجموعة فنية لا تقدر بثمن. طلبت ناهد من مازن الحضور فوراً لتقييم لوحة زيتية نادرة تعود للقرن التاسع عشر، ادعت أنها بدأت "تتغير". عندما وصل مازن إلى الشقة الواسعة ذات السقوف العالية والنجفات الكريستالية، شعر أن هناك شيئاً غير مريح في الهواء. ناهد هانم كانت تبدو قلقة، وعيناها تلاحقان حركة الخادمة "سعاد" التي كانت تتحرك بصمت مريب في أرجاء الشقة.
قادته ناهد إلى غرفة المكتبة، وأشارت إلى لوحة ضخمة تمثل مشهداً لغروب الشمس على شاطئ غير مألوف. قال مازن وهو يتفحص اللوحة بدقة: "ما المشكلة يا هانم؟ اللوحة تبدو أصلية وبتوقيع عالمي". ردت ناهد بصوت مرتعش: "انظر إلى السفينة الصغيرة في زاوية اللوحة.. بالأمس لم تكن هناك! واليوم، أشعر أن السفينة تقترب من الشاطئ". ظن مازن في البداية أن السيدة تعاني من خيالات كبر السن، لكنه عندما اقترب أكثر، لاحظ أن ضربات الفرشاة عند تلك السفينة "طرية" بشكل لا يتناسب مع عمر اللوحة الذي يتجاوز مائة عام.
قرر مازن أن يقبل المهمة، وطلب البقاء في الشقة لليلة واحدة لمراقبة اللوحة. وضعت له ناهد هانم غرفة الضيوف تحت تصرفه. في منتصف الليل، وبينما كان الهدوء يلف حي الزمالك ولا يقطعه سوى نباح كلب بعيد، سمع مازن صوت احتكاك خفيف يأتي من غرفة المكتبة. تسلل بحذر، وبمجرد أن فتح الباب، رأى ظلاً يخرج من الشرفة الكبيرة المطلة على الحديقة المهملة. ركض نحو اللوحة، واكتشف المفاجأة: السفينة التي كانت في زاوية اللوحة اختفت تماماً، وحل محلها رسم صغير جداً لـ "مفتاح".
أدرك مازن أن اللوحة ليست مجرد عمل فني، بل هي "لوحة إعلانات" مشفرة. شخص ما يدخل الشقة ليلاً، ويقوم بالرسم فوق اللوحة الأصلية بألوان زيتية سريعة الجفاف ليوصل رسائل لشخص آخر داخل الشقة. تذكر مازن أسلوب هيتشكوك في "الخداع البصري"؛ القاتل أو اللص لا يختبئ دائماً في الظلام، بل قد يختبئ أمام عينيك مباشرة.
بدأ مازن يبحث عن معنى "المفتاح". تفحص جدران المكتبة، حتى وجد خلف رفوف الكتب القديمة خزنة حديدية صغيرة. حاول فتحها لكنها كانت تتطلب مفتاحاً من نوع خاص. في تلك اللحظة، شعر ببرودة نصل حاد يلمس رقبته. كان "رؤوف"، ابن شقيق ناهد هانم، الذي كان يظهر دائماً بمظهر الشاب المستهتر والمدلل. قال رؤوف بلهجة حادة: "أنت ذكي جداً يا مازن، أكثر مما ينبغي. اللوحة دي كانت وسيلة التواصل بيني وبين الخادمة سعاد. هي كانت بتعرفني بمكان المفتاح اللي الهانم بتخبيه كل يوم في مكان جديد عشان تمنعني من الوصول لمجوهرات عيلتي اللي هي استولت عليها بعد وفاة عمي".
أدرك مازن أن الصراع ليس بين لص وصاحبة بيت، بل هو صراع عائلي قذر على ميراث مغموس بالدم. قالت سعاد التي ظهرت فجأة من خلف الستار: "ناهد هانم مش بريئة يا أستاذ مازن. هي اللي قتلت الباشا بالسم عشان تاخد الثروة، واللوحة دي كانت الشاهد الوحيد، لأن الباشا رسم فيها سر مكان الوصية الحقيقية قبل ما يموت بلحظات".
وجد مازن نفسه في موقف لا يحسد عليه؛ بين أرملة قد تكون قاتلة، وابن أخ طامع، وخادمة غامضة. تذكر مازن أن حقيبة أدواته تحتوي على مادة "المذيب" التي تستخدم لإزالة طبقات الطلاء الحديثة دون المساس بالأصل. وبحركة سريعة، ادعى أنه سيفتح الخزنة لهما، لكنه بدلاً من ذلك ألقى بزجاجة المذيب على وجه رؤوف، مما جعله يترنح من الألم، وركض نحو اللوحة.
قام مازن بسكب المذيب على اللوحة بسرعة، وبدأ يمسح الطبقات الحديثة التي رسمها رؤوف وسعاد. ظهرت تحت السفينة والمفتاح أرقام صغيرة محفورة في خشب الإطار الأصلي. كانت تلك الأرقام هي "كود" الخزنة الحقيقية المخفية خلف لوحة أخرى في الصالون، وليس الخزنة المزيفة التي كان يحاول رؤوف فتحها.
بينما كان رؤوف يحاول استعادة توازنه، رن جرس الباب بقوة. كانت الشرطة التي اتصل بها مازن سراً قبل دخوله المكتبة، بعدما ساوره الشك في تحركات سعاد. تم القبض على الجميع، واكتشفت الشرطة أن ناهد هانم بالفعل كانت تحتفظ بالسم في زجاجة عطر قديمة داخل الخزنة السرية، وأن رؤوف وسعاد كانا يحاولان ابتزازها بدلاً من تبليغ الشرطة.
انتهت الليلة الطويلة، وعادت اللوحة إلى حالتها الأصلية، غروب شمس هادئ لا سفن فيه ولا مفاتيح. وقف مازن في شرفته بالزمالك، ينظر إلى النيل، ويفكر في أن الفن قد يستر العيوب، لكنه أبداً لا يستطيع إخفاء الجريمة للأبد. اللوحة التي كانت "تتغير" لم تكن مسكونة بالأشباح، بل كانت مسكونة بأطماع البشر، والفرشاة التي رسمت السفينة كانت هي نفسها التي وقعت على حبل المشنقة لكل من شارك في تلك المؤامرة.
خرج مازن من عمارة الفنار، وهو يشعر أن هواء الزمالك أصبح أكثر نقاءً، وأن بعض الأسرار عندما تخرج للنور، تفقد قدرتها على الإخذاء، تماماً مثل الألوان الزيتية التي تبهت تحت ضوء الشمس الساطع.
عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق
تعليقات: (0) إضافة تعليق