اهداء الى الكاتب الكبير واﻻعلامى العظيم=ابراهيم عيسي
اهداء للكاتبه الكبيره فريده الحلوانى ومتابعيها
لحن الوفاء المفقود في شتاء الإسكندرية
كانت الإسكندرية في شهر يناير تتنفس غضباً، الأمواج تضرب سور الكورنيش بقسوة، ورذاذ الملح يغطي زجاج المقاهي القديمة المطلة على البحر. في مقعده المعتاد داخل مقهى "تريانون" العريق، كان "ياسين" يجلس وحيداً، وهو مهندس معماري في منتصف الثلاثينيات، يعشق التفاصيل التي تخفيها المباني الخديوية. كان ياسين قد جاء إلى الإسكندرية لترميم قصر قديم في منطقة "زيزينيا"، لكنه وجد نفسه يرمم شظايا قلبه التي تبعثرت بعد قصة حب قديمة انتهت قبل أن تبدأ.
لحن الوفاء المفقود في شتاء الاسكندريه
في تلك الليلة العاصفة، انفتح باب المقهى لتدخل امرأة يبدو أنها هربت لتوها من طوفان المطر. كانت ترتدي معطفاً طويلاً من الصوف الكحلي، وتلف حول عنقها وشاحاً حريرياً بلون الزمرد. لفتت نظره بملامحها التي تحمل مزيجاً من القوة والانكسار، وجلست في الطاولة المقابلة له تماماً. لم تطلب قهوة أو شاياً، بل أخرجت من حقيبتها ظرفاً ورقياً قديماً، وظلت تنظر إليه وكأنها تخشى فتحه.
ياسين، بحسه "الهيتشكوكي" الذي يجعله يلاحظ ما لا يراه الآخرون، انتبه إلى أن السيدة كانت تلتفت خلفها باستمرار، وكأنها تراقب شبحاً يطاردها في ذلك الزحام الشتوي. فجأة، تعثر نادل يحمل صينية من المشروبات، ليسقط محتواها بالقرب من طاولتها. انتفضت السيدة مذعورة، وسقط الظرف من يدها لينزلق تحت طاولة ياسين. بلياقة وسرعة، انحنى ياسين والتقط الظرف، وعندما رفعه ليعيده إليها، تلاقت أعينهما لأول مرة.
"شكراً لك.. أنا أسفة جداً"، قالتها بصوت يشبه حفيف الأشجار في ليلة هادئة. ابتسم ياسين وقال بلهجته المصرية الودودة: "ولا يهمك، البحر في الإسكندرية بيخلي الناس كلها مشدودة في الشتا.. أنا ياسين". ردت بخجل بعد لحظة صمت: "وأنا نادين". كانت تلك هي الشرارة الأولى لقصة حب ولدت من رحم الغموض والمطر.
تكررت لقاءاتهما في الأيام التالية. كانا يتجولان في شوارع محطة الرمل، ويحتميان من المطر تحت شرفات العمارات القديمة. نادين كانت تتحدث عن الفن والتاريخ، لكنها كانت تغلق أبواب الماضي كلما حاول ياسين الاقتراب من سر الظرف القديم. كان الحب ينمو بينهما كزهرة برية تنبت وسط صخور الشاطئ، حباً نقياً ولكنه محفوف بالخطر. ياسين شعر أن نادين ليست مجرد امرأة عادية، بل هي لغز معماري يحتاج إلى ترميم دقيق ليفصح عن جماله.
في ليلة قمرية هادئة بعد انكسار "الننوة"، دعت نادين ياسين إلى قصر مهجور في منطقة "المنتزه"، ادعت أنه ملك لعائلتها القديمة. القصر كان يطل على البحر مباشرة، تحيط به أشجار النخيل التي تميل مع الريح. عندما دخلا، كانت الرائحة تفوح بالياسمين الممزوج بالتراب. جلست نادين خلف بيانو ضخم مغطى بملاءة بيضاء، وكشفت عنه لتبدأ في عزف لحن حزين ومألوف.
بينما كانت نادين تعزف، لاحظ ياسين ظلاً يتحرك في الشرفة الخارجية. تذكر قاعدة "هيتشكوك" الذهبية بأن الخوف يأتي عندما تعرف أن هناك خطراً لا يراه البطل. اقترب ياسين من الشرفة بحذر، ليجد رجلاً بملابس رسمية يراقب القصر بمنظار مكبر. عاد لياسين شعور الشك؛ هل نادين تستدرجه؟ أم أنها هي الضحية؟
توقف العزف فجأة. وقفت نادين ودموعها تنهمر: "ياسين، يجب أن ترحل.. هم يراقبونني بسببه". وأخرجت الظرف القديم ووضعته في يده. "هذا الظرف يحتوي على خرائط لممتلكات تم الاستيلاء عليها في عهد مضى، وهناك من يريد قتلي لاستعادتها. تقربي منك لم يكن صدفة في البداية، كنت أبحث عن شخص يمكنني الوثوق به لإنقاذ هذه الأوراق.. لكنني وقعت في حبك، وهذا هو الخطأ الذي لم أحسب له حساباً".
شعر ياسين بصدمة ممزوجة بالإعجاب بشجاعتها. لم يتركها ويرحل كما طلبت، بل أمسك يدها وقال بقوة: "الحب مش خطأ يا نادين، الحب هو اللي بيدينا القوة عشان نواجه الخوف". في تلك اللحظة، اقتحم الرجل الغامض القاعة، وكان يمسك بيده مسدساً. كان "مراد"، المحامي الذي يدعي حماية أملاك عائلة نادين، لكنه في الحقيقة كان يسعى لسرقتها.
قال مراد ببرود: "مشهد رومانسي رائع، لكن للأسف الأوراق أهم من مشاعركم". وقبل أن يضغط على الزناد، استخدم ياسين خبرته في المعمار. كان يعرف أن أرضية القصر خشبية قديمة وبها "فخاخ" للصوت والحركة. أشار لنادين بعينه، وفجأة قفز كلاهما نحو ستارة ثقيلة، مما أدى إلى اهتزاز الأرضية الخشبية بشكل جعل مراد يفقد توازنه ويسقط في فجوة خفية كانت مخصصة قديماً لتخزين النبيذ.
استغل ياسين ونادين اللحظة وركضا نحو البوابة الخارجية، حيث كانت سيارة ياسين تنتظر. انطلقا في شوارع الإسكندرية، والرياح تداعب وجوههما. الحب الذي بدأ كخوف، تحول إلى رباط مقدس بين قلبين واجها الموت معاً.
بعد عدة أشهر، وبعد أن استلمت السلطات الأوراق وتمت محاسبة المتورطين، وقف ياسين ونادين في شرفة شقتهما الجديدة المطلة على البحر. لم يعد هناك ظرف قديم أو أشباح تطاردهما. كانت نادين تعزف نفس اللحن الحزين، لكنها هذه المرة غيرت الخاتمة لتصبح نغمة مبهجة تعلن عن بداية حياة جديدة.
نظر ياسين إلى نادين وأدرك أن الحب الحقيقي هو أعظم "ترميم" يمكن أن يحدث للإنسان. فالمباني قد تنهار مع الزمن، والخرائط قد تبلى، لكن الوفاء والصدق هما الأساس الذي لا يمكن لأي ريح أو "ننوة" أن تهدمه. وفي ليلة سكندرية هادئة، وتحت ضوء النجوم، تبادلا عهداً أبدياً، بأن يظل قلبهما هو الملجأ الوحيد، وأن قصة حبهما هي اللوحة التي لن يمحوها الموج أبداً.
عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق
تعليقات: (0) إضافة تعليق