اهداء الى الكاتب الكبير واﻻعلامى العظيم=ابراهيم عيسي
اهداء للكاتبه الكبيره فريده الحلوانى ومتابعيها
نبض القاهرة الرقمي: شيفرة عين حورس
في عام 2045، تحولت القاهرة إلى مدينة لا تنام، ليس فقط بسبب ضجيجها المعتاد، بل لأن خيوط "البيانات الضخمة" أصبحت هي الشرايين التي تغذيها. ناطحات السحاب في العاصمة الإدارية الجديدة أصبحت تعانق السحاب، وقطارات المونوريل السريعة تمرق كسهام ضوئية بين المدن الذكية. في قلب "القرية الذكية"، كان يعيش "عمر"، وهو مهندس عبقري متخصص في تطوير "الذكاء الاصطناعي التنبؤي". عمر لم يكن يطور برامج عادية، بل كان يعمل على مشروع سري للغاية أطلق عليه اسم "عين حورس"، وهو نظام بصري متطور يُزرع في شبكية العين، يسمح للمستخدم برؤية "الاحتمالات المستقبلية" للأحداث قبل وقوعها بثوانٍ معدودة.
نبض القاهرة الرقمي: شيفرة عين حورس
بدأت الحكاية عندما قرر عمر تجربة النسخة الأولية من "عين حورس" على نفسه. بمجرد تفعيل الشريحة، بدأت الأرقام والبيانات تتدفق أمام عينيه كأنها شلالات من الضوء. كان يسير في شوارع "التجمع الخامس"، يرى احتمالات اصطدام السيارات قبل حدوثها، ويرى مسارات المارة وتوقعات تحركاتهم. كان يشعر وكأنه إله صغير يتحكم في خيوط الزمن. ولكن، وفي لحظة غامضة بينما كان يتناول قهوته في أحد المقاهي الذكية، حدث "خلل" في النظام.
رأت عينه اليمنى مشهداً لم يكن من المفترض أن يراه؛ رأى في انعكاس زجاج المبنى المقابل جريمة قتل ستحدث بعد خمس دقائق في الطابق الثلاثين من برج "الماسة". الضحية كانت "ليلى"، زميلته في المعمل وخبيرة تشفير البيانات، والقاتل لم يكن سوى "الدكتور عزيز"، مدير المشروع والرجل الذي يعتبره عمر قدوته ومثله الأعلى.
تجمدت الدماء في عروق عمر. تذكر أسلوب "هيتشكوك" في جعل البطل يعرف حقيقة لا يستطيع إثباتها، ويصبح مطارداً بسببها. حاول عمر الاتصال بليلى، لكن شبكة الاتصالات في عينه كانت مشوشة بفعل تداخل البيانات. ركض بجنون نحو البرج، وهو يرى "العداد التنازلي" للموت يظهر أمام عينيه باللون الأحمر القاني. 4 دقائق.. 3 دقائق.. كان يصارع الزحام، والناس من حوله يبدون كأشباح رقمية لا تشعر بالخطر المحدق.
بمجرد وصوله إلى مدخل البرج، استوقفه رجال الأمن الآليون (الروبوتات الأمنية). "عين حورس" أخبرته أن احتمالية مروره من الباب الرئيسي هي 5% فقط، بينما هناك ممر خلفي مخصص للصيانة احتمالية النجاح فيه تصل لـ 80%. تسلل عبر الممرات الضيقة، وصعد في مصعد الشحن السريع. عندما وصل إلى الطابق الثلاثين، كان العداد يشير إلى 30 ثانية فقط.
اقتحم المكتب، ليجد ليلى تقف أمام النافذة الزجاجية الضخمة، والدكتور عزيز يقف خلفها ببرود تام، يمسك بجهاز تحكم صغير. صرخ عمر: "ليلى.. اهربي!". التفتت ليلى بذعر، بينما ابتسم عزيز بمرارة وقال: "لقد كنت أعلم أنك ستأتي يا عمر. (عين حورس) التي في رأسك هي من أخبرتني بذلك. أنا من برمجت هذا الخلل لأستدرجك".
أدرك عمر في تلك اللحظة الفخ "التكنولوجي" الذي وقع فيه. الدكتور عزيز لم يكن ينوي قتل ليلى في الحقيقة، بل كان يريد "تحميل" وعي عمر بالكامل داخل الخادم الرئيسي للمشروع ليحوله إلى ذكاء اصطناعي خالص، فاقد للإرادة البشرية، ليعمل كخوارزمية تنبؤية تتحكم في مصير الدولة بالكامل. الجريمة التي رآها عمر لم تكن جريمة قتل لليلى، بل كانت "محاكاة" زرعها عزيز في عينه ليحفزه على المجازفة بحياته.
بدأ عزيز في تفعيل عملية "التحميل القسري". شعر عمر بصداع عنيف، وبدأ عالمه الحقيقي يتلاشى ليحل محله عالم من الشفرات البرمجية. ليلى، التي كانت في الحقيقة متعاونة مع عزيز في البداية، شعرت بالندم عندما رأت عمر يتألم. صرخت: "عزيز.. هذا ليس ما اتفقنا عليه! أنت تدمر عقله!".
استجمع عمر قوته، وتذكر قاعدة برمجية قديمة كان قد وضعها كـ "باب خلفي" في شريحة "عين حورس". قام بتبديل مسار البيانات من عينيه إلى نظام التحكم في البرج نفسه. فجأة، بدأت الأنوار في البرج تومض بجنون، والأبواب الإلكترونية تفتح وتغلق آلياً، وأنظمة الإطفاء بدأت في رش المياه في كل مكان.
وسط هذه الفوضى الرقمية، استطاع عمر الوصول إلى الخادم الرئيسي الموصول بعقله وقام بقطعه يدوياً. سقط على الأرض مغشياً عليه، بينما هرب عزيز قبل وصول قوات الشرطة السيبرانية.
عندما استيقظ عمر بعد عدة أيام في المستشفى، وجد ليلى بجانبه. أخبرته أن مشروع "عين حورس" قد تم إيقافه للأبد، وأن الدكتور عزيز اختفى تماماً وكأنه لم يكن له وجود. لكن الصدمة الحقيقية كانت عندما نظر عمر في المرآة؛ عينه اليمنى لم تعد طبيعية، بل أصبحت تلمع بضوء أزرق خافت، وما زال يرى من خلالها "الاحتمالات".
رأى في المرآة احتمالاً واحداً قوياً: الدكتور عزيز سيعود، ولكن ليس كإنسان، بل كفيروس رقمي يسكن في شبكة الإنترنت بالكامل. أدرك عمر أن الخيال العلمي الذي كان يعيشه تحول إلى واقع مرير، وأن التكنولوجيا مهما بلغت من دقة، ستظل دائماً تحمل ثغرة بشرية تسمى "الجشع".
وقف عمر في شرفة المستشفى يطل على القاهرة المستقبلية، وأدرك أن النبض الرقمي للمدينة يحمل أسراراً أكثر مما تحتمله العيون البشرية. قرر أن يستخدم عينه "الملعونة" ليس للتنبؤ بالمستقبل، بل لحماية الحاضر من الأشباح الرقمية التي صنعها الإنسان بيده. ففي عالم تحكمه الخوارزميات، يظل القلب البشري هو "المعالج" الوحيد الذي لا يمكن اختراقه.
عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق
تعليقات: (0) إضافة تعليق