اهداء الى الكاتب الكبير واﻻعلامى العظيم=ابراهيم عيسي
اهداء للكاتبه الكبيره فريده الحلوانى ومتابعيها
لعنة الأقنعة في حي السيدة
في قلب حي السيدة زينب، حيث تتلاحم البيوت القديمة لدرجة أن الجيران يتبادلون أنفاسهم، كانت "عائلة الدالي" تعتبر واجهة الوجاهة والاحترام. بيت الدالي الكبير، بمشربياته الواسعة وجدرانه التي تفوح برائحة البخور والماضي، كان يستعد لحدث ضخم: حفل زفاف "نهى"، ابنة كبير العائلة "الحاج مرسي". كان مرسي رجلاً يزن كلماته بميزان من ذهب، ويحرص على صورته الاجتماعية أكثر من حرصه على ماله. لكن خلف هذا القناع البراق من المثالية، كانت هناك شقوق بدأت تظهر تحت وطأة أسرار اجتماعية مدفونة منذ عقود.
لعنه الاقنعه في حي السيده
"هشام"، ابن شقيق مرسي، عاد من سفره الطويل ليجد الأجواء مشحونة بتوتر خفي لا تراه العيون العادية، لكن هشام، الذي قضى سنوات في دراسة علم النفس الجنائي، كان يملك عيناً تلتقط نبرات الصوت المرتعشة ونظرات العيون الهاربة. لاحظ هشام أن عمته "زكية"، التي كانت دائماً روح البيت، قد اختفت تماماً من المشهد. عندما سأل عنها، جاءه الرد من عمه مرسي ببرود غريب: "زكية تعبت شوية ونقلناها دار رعاية في أكتوبر عشان ترتاح بعيد عن دوشة الفرح". لم يقتنع هشام، فزكية كانت تعشق لمة العائلة، وكان من المستحيل أن تغيب عن زفاف ابنة أخيها الوحيدة.
بدأت شكوك هشام تتحول إلى يقين عندما سمع في ليلة "الحنة" صوتاً خافتاً يأتي من القبو المهجور أسفل البيت. كان صوتاً يشبه الأنين المكتوم، يتداخل مع أصوات "الزفة" والأغاني الشعبية الصاخبة التي تملأ الزقاق. تذكر هشام أسلوب هيتشكوك في بناء الرعب من خلال التناقض؛ الفرح الصاخب في الخارج، والمأساة الصامتة في الداخل. قرر هشام أن يتحرك في الوقت الذي ينشغل فيه الجميع بذبح الذبائح وتوزيع اللحم على الفقراء، وهي العادة التي كان مرسي يحرص عليها ليثبت تقواه وكرمه.
تسلل هشام إلى القبو، مستخدماً مفتاحاً قديماً كان قد سرقه من مكتب عمه. كانت الرائحة في القبو مزيجاً من العطن والخبز الجاف. في ركن مظلم خلف صناديق خشبية قديمة، وجد باباً حديدياً صغيراً لم يكن موجوداً في خرائط البيت الأصلية. وبمجرد فتحه، صُدم برؤية عمته زكية، جالسة على سرير حديدي متهالك، مقيدة بسلسلة رفيعة في قدمها، وعيناها تائهتان في فراغ الغرفة الضيقة.
صرخت زكية بصوت مبحوح عندما رأته: "هشام؟ اهرب يا ابني.. مرسي مش هيسمح لحد يفسد صورته". أدرك هشام الحقيقة المرة؛ زكية كانت تملك دليلاً على أن ثروة الحاج مرسي "الرجل الطيب" بنيت على أموال أيتام العائلة التي استولى عليها منذ سنوات طويلة، وعندما هددت بفضحه قبل الزفاف ليتم توزيع الميراث بالعدل، قرر حبسها بدلاً من قتلها، خوفاً من "الفضيحة" التي قد تلاحق اسم العائلة إذا اكتشفت الشرطة جثة في البيت.
في هذه اللحظة، انغلق باب القبو بقوة. وقف الحاج مرسي بملابسه البيضاء الناصعة وسبحته الطويلة، وخلفه ابنه الكبير "عصام". قال مرسي بهدوء مرعب: "كنت عارف إن فضولك هيوديك في داهية يا هشام. أنت ليه عايز تهد البيت اللي لمنا كلنا؟ ليه عايز تخلي الناس في السيدة يتفوا على اسم الدالي؟". رد هشام بشجاعة: "البيت اللي مبني على الظلم لازم يتهد يا عمي. أنت حبست عمتك عشان قرشين؟".
أمر مرسي ابنه عصام بالتعامل مع هشام، لكن هشام كان قد أعد العدة. تذكر أن عمه مهووس بالبث المباشر على صفحات التواصل الاجتماعي ليظهر للعالم حجم كرمه في الفرح. كان هشام قد قام بتشغيل "بث مباشر" من هاتفه المخبأ في جيبه، وكان يوجه الكاميرا نحو زكية المقيدة ونحو وجه عمه مرسي الذي سقط قناعه تماماً.
بدأت التعليقات تنهال بالآلاف على الصفحة الرسمية للعائلة، وبدأ أهل المنطقة الذين كانوا يأكلون من لحم مرسي في الخارج يشاهدون الحقيقة الصادمة على هواتفهم. تحول الفرح إلى ثورة. سمع مرسي أصوات هتافات الناس في الزقاق، لكنها لم تكن هتافات بالبركة، بل كانت صرخات غضب تطالب بفتح الأبواب.
حاول عصام الهجوم على هشام، لكن أهل الحي، وعلى رأسهم "المعلم صبحي" جزار المنطقة، اقتحموا البيت بعد أن رأوا المشهد على هواتفهم. كسروا أبواب القبو، وحرروا زكية وهشام. الحاج مرسي، الذي قضى عمره يبني "سمعة" زائفة، وجد نفسه منبوذاً في لحظة واحدة. لم تعد السلسلة هي التي تقيد زكية، بل أصبحت الفضيحة هي السلسلة التي طوقت عنق مرسي أمام كل الناس.
انتهت القضية بتدخل الشرطة، واكتشاف وثائق مزورة في مكتب مرسي تثبت نهبه للمواريث. زكية استردت حقها، لكن الندبة في قلبها لم تلتئم. أما هشام، فقد وقف في شرفة البيت القديم، ينظر إلى مسجد السيدة زينب، ويفكر في أن المجتمع قد يخدعه المظهر لفترة، لكن الحقيقة مثل الماء، تجد دائماً ثقباً لتخرج منه.
أدرك الجميع في تلك الليلة أن الكرم الحقيقي ليس في إطعام اللحم، بل في إعطاء الحقوق. القناع الذي ارتداه الحاج مرسي لسنوات سقط تحت أقدام الفقراء الذين كان يظن أنه يشتري صمتهم بوجبة. ورحل هشام عن الحي، تاركاً وراءه قصة ستتداولها الأجيال في السيدة، ليس عن فرح ابنة الدالي، بل عن اليوم الذي صرخت فيه الجدران لتكشف لعنة الأقنعة وتنتصر للمظلوم.
عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق
تعليقات: (0) إضافة تعليق