اهداء الى الكاتب الكبير واﻻعلامى العظيم=ابراهيم عيسي
اهداء للكاتبه الكبيره فريده الحلوانى ومتابعيها
لغز المشربية المسكونة في الدرب الأحمر
في زقاق ضيق من أزقة حي الدرب الأحمر العريق، حيث تتشابك البيوت القديمة لدرجة أنها تكاد تحجب ضوء الشمس، كان يقع بيت "المنشاوي". هذا البيت لم يكن مجرد بناء أثري من العصر المملوكي، بل كان لغزاً يسكنه الصمت وتغلفه الحكايات المرعبة التي يتداولها الجيران في جلساتهم الليلية. "خالد"، شاب في مقتبل الثلاثينيات، يعمل مرمماً للآثار الخشبية، عُرف عنه الشجاعة والاحترافية، تلقى عرضاً مغرياً من وريث البيت الأخير، رجل يعيش في الخارج، لترميم مشربية ضخمة تعتبر نادرة من نوعها في الطابق الثاني من البيت.
لغز المشربية المسكونة في الدرب الأحمر
وصل خالد إلى البيت في ساعة مبكرة من المساء. كان الجو مشبعاً برطوبة النيل ورائحة التوابل المنبعثة من الأسواق القريبة. فتح البوابة الخشبية الثقيلة التي أصدرت صريراً حاداً اخترق سكون الزقاق. دخل ومعه حقيبة أدواته وكشاف قوي. بمجرد دخوله، شعر بقشعريرة تسري في جسده، وكأن مئات العيون تراقبه من وراء الجدران المتآكلة. صعد الدرج الحجري المتآكل إلى الطابق الثاني حيث توجد المشربية المنشودة. كانت تحفة فنية من الخشب المعشق، لكنها كانت مغطاة بخيوط العنكبوت وكأنها سجن لشيء ما بالداخل.
بدأ خالد عمله بحماس، أخرج فرشاته وبدأ يزيل الأتربة برفق. ومع كل قطعة خشب يحركها، كان يسمع صوتاً يشبه الهمس المكتوم. في البداية، ظن أنها الرياح التي تعبر من فتحات الخشب، لكن الهمس بدأ يتحول إلى نبرة بشرية واضحة تنادي اسمه: "خالد.. خالد..". توقف عن العمل وتلفت حوله، لكن القاعة كانت خاوية تماماً إلا من بعض قطع الأثاث المحطمة. حاول استجماع شجاعته وأكمل عمله، ولكن عندما وضع يده على قطعة "خرط" خشبية في مركز المشربية، شعر بحرارة غريبة تنبعث منها، وفجأة، سالت قطرة سائل أحمر لزج من بين الشقوق. لم يكن طلاءً، كانت الرائحة تؤكد أنه دم بشري طازج.
تراجع خالد للخلف والذعر يتملكه، وسقط الكشاف من يده ليضيء زاوية مظلمة في سقف الغرفة. هناك، رأى ظلاً لا يشبه ظل إنسان، كان كائناً مشوهاً يلتصق بالسقف، أطرافه طويلة ونحيفة بشكل غير طبيعي، وعيناه تلمعان بضوء أحمر باهت. تجمد خالد في مكانه، حاول الصراخ لكن صوته انحبس في حنجرته. بدأ الظل ينزل ببطء، وفي تلك اللحظة، انفتحت إحدى ضلف المشربية بقوة واصطدمت بالحائط، ليدخل من خلالها ضوء القمر الشاحب.
تذكر خالد قصة سمعها من بواب العمارة المجاورة عن "النجار الملعون" الذي بنى هذه المشربية منذ مئات السنين. قيل إنه كان يحب ابنة صاحب البيت حباً جنونياً، وعندما رفض الأب تزويجها له، قام النجار بحبس روحها داخل خشب المشربية مستخدماً طقوساً سحرية قديمة، ومنذ ذلك الحين، كل من يحاول لمس الخشب أو ترميمه يختفي في ظروف غامضة. لم يصدق خالد هذه الخرافات وقتها، لكن ما يراه الآن جعل عقله يكاد يطير.
بدأت المشربية تتحرك وتتلوى وكأنها كائن حي. قطع الخشب المعشق بدأت تنفك وتعيد تركيب نفسها لتشكل ما يشبه القفص حول خالد. حاول الركض نحو الباب، لكنه وجد أن الباب قد اختفى تماماً وحل محله جدار صلد من الخشب الصدئ. انخفضت درجة الحرارة في الغرفة لدرجة أن أنفاس خالد أصبحت تخرج كالبخار. ظهرت أمام وجهه مباشرة ملامح وجه امرأة محفورة في الخشب، عيناها كانت فارغتين لكنهما تنضحان بالحزن والألم.
قالت الروح بصوت يخرج من أعماق الخشب: "حررني.. الوتر الأخير.. اقطع الوتر الأخير". أدرك خالد بذكائه المهني أن هناك قطعة خشبية واحدة هي التي تمسك هذا الهيكل السحري بالكامل. بدأ يبحث بجنون وسط الظلام والتحركات المرعبة للخشب الذي كان يحاول سحقه. وجد قطعة خشبية وحيدة لونها يميل للسواد، تقع في أسفل المشربية. أخرج سكيناً حاداً من حقيبته وهجم على القطعة بكل قوته.
بمجرد أن غرس السكين في "الوتر الخشبي"، صدرت صرخة مدوية هزت أركان البيت بالكامل، وتحطمت المشربية إلى آلاف القطع الصغيرة. ساد صمت رهيب، واختفى الظل المرعب وانقشعت البرودة. وجد خالد نفسه ملقى على الأرض، والنافذة الآن مفتوحة تماماً على الشارع، والباب الخشبي للقاعة عاد لمكانه ومفتوحاً على مصراعيه.
خرج خالد من البيت وهو يلهث، ولم يلتفت وراءه أبداً. ترك حقيبة أدواته وكل ما يملك بالداخل. وفي اليوم التالي، عندما ذهبت الشرطة لمعاينة المكان بناءً على بلاغ من الجيران الذين سمعوا الصراخ، لم يجدوا أي أثر لتحطم المشربية، بل وجدوها كاملة وسليمة تماماً وكأن أحداً لم يلمسها، لكن الغريب أنهم وجدوا حقيبة أدوات خالد، وعندما فتحوها، لم يجدوا أدوات نجارة، بل وجدوا عظاماً بشرية قديمة جداً ومذكرات مكتوبة بدم جاف تحكي قصة مرمم آثار حاول يوماً أن يتحدى لعنة حي الدرب الأحمر.
منذ تلك الليلة، يرفض أي نجار أو مرمم الاقتراب من بيت المنشاوي. ويقول المارة إنهم في الليالي القمرية، يرون ظل شاب يقف خلف المشربية، يمسك بفرشاة ويحاول يائساً إزالة غبار لا ينتهي، بينما يتردد في الزقاق صدى صوت يهمس باسم "خالد". لقد أدرك الجميع أن البيت لا يحتاج لترميم، بل يحتاج لنسيان، لأن بعض الذكريات في مصر القديمة تفضل أن تبقى حبيسة الخشب على أن تخرج لتنشر الرعب في قلوب الأحياء.
روايات اخرى
للكاتب / هيتشكوك مصر
اهداء الى الكاتب الكبير واﻻعلامى العظيم=ابراهيم عيسي
اهداء للكاتبه الكبيره فريده الحلوانى ومتابعيها
اشترك من هنا قصص لك الروايه اليوميه تابعنا اضغط من هنا👇
عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق
تعليقات: (0) إضافة تعليق