اهداء الى الكاتب الكبير واﻻعلامى العظيم=ابراهيم عيسي
اهداء للكاتبه الكبيره فريده الحلوانى ومتابعيها
سر الصندوق النحاسي في حارة السقايين
في قلب القاهرة القديمة، حيث تفوح رائحة التوابل الممزوجة بعبق التاريخ من "حارة السقايين"، كانت البيوت المتلاصقة تحكي قصصاً لا تنتهي. في هذه الحارة، كان يعيش "عم سيد"، رجل في الستين من عمره، يمتلك دكاناً صغيراً لتصليح "الوابور" وبيع الخردوات القديمة. عم سيد لم يكن مجرد سمكري، بل كان خبيراً في فك شفرات الأقفال المستعصية، وكان يملك أذناً موسيقية تميز صوت احتكاك المعادن لتعرف ما إذا كان القفل سيستسلم أم لا.
سر الصندوق النحاسي في حارة السقايين
بدأت الحكاية في صباح يوم جمعة مشمس، عندما جاء "عبده"، وهو صبي يعمل في هدم البيوت القديمة، يحمل صندوقاً نحاسياً ثقيلاً مغطى بطبقة سميكة من الجنزير الأخضر. قال عبده وهو يمسح عرقه: "يا عم سيد، الصندوق ده لقيته مدفون تحت بلاط بيت قديم في الدرب الأحمر وإحنا بنهده. حاولت أفتحه بكل الطرق ومنفعش، قولت مفيش غيرك يفك لغزه". وضع الصندوق على الطاولة الخشبية المتهالكة، وأصدر النحاس رنيناً مكتوماً يوحي بأن بداخله شيئاً ثقيلاً ومحكماً.
تفرس عم سيد في الصندوق بنظارته السميكة، وشعر برعشة خفيفة في أصابعه. القفل لم يكن عادياً، بل كان قفلاً "تعشيقياً" من النوع الذي كان يصنعه الحرفيون المهرة في العصور الماضية. وبينما كان يهم بوضع أدواته، لاحظ ظلاً طويلاً يقف عند مدخل الدكان. كان "المعلم عاشور"، كبير المنطقة ورجل المهام المشبوهة، الذي يرتدي جلباباً من الحرير ويحمل في يده سبحة من الكهرمان لا تفارقه.
قال عاشور بنبرة آمرة: "سمعت إن فيه لُقطة وصلت عندك يا سيد. الصندوق ده يخص ناس معرفة، ومن الأفضل إنك تسلمهولي من غير شوشرة". تذكر عم سيد قاعدة "هيتشكوك" في جعل الشيء البسيط محوراً للصراع؛ الصندوق أصبح الآن "الماكجافن" الذي يتصارع عليه الجميع دون أن يعرفوا ما بداخله. رد عم سيد بشجاعة: "الأمانة عند صاحبها يا معلم، والولد ده هو اللي لقاه". انصرف عاشور وهو يتوعد بنظراته، تاركاً خلفه جواً مشحوناً بالتوتر.
في تلك الليلة، قرر عم سيد أن يفتح الصندوق سراً. أغلق باب دكانه بالمتاريس الحديدية، وأشعل لمبة الجاز الصغيرة. بدأ يداعب القفل بأدواته الدقيقة، وساعة الحائط تدق بإيقاع رتيب يزيد من حدة القلق. فجأة، سمع صوت "تكة" خفيفة، ثم انفتح الغطاء ببطء ليصدر صريراً مزعجاً. لم يجد عم سيد ذهباً أو مجوهرات، بل وجد رزمة من الأوراق الصفراء القديمة، ومفتاحاً ذهبياً صغيراً، وصورة فوتوغرافية باهتة لامرأة ترتدي "برقعاً" وتقف أمام بيت يشبه تماماً بيت المعلم عاشور.
بدأ عم سيد يقرأ الأوراق، واتسعت عيناه من الصدمة. الأوراق كانت عقود ملكية أصلية لنصف محلات الحارة، ومذكرات بخط اليد تحكي قصة خيانة بشعة قام بها جد المعلم عاشور، حيث استولى على أملاك جيرانهم الأيتام بعد أن زور توقيع والدهم في ليلة ظلماء. المفتاح الذهبي كان يفتح خزانة سرية في جدار القبو القديم لبيت عاشور، حيث تُخبأ الحجج الأصلية التي تثبت التزوير.
بينما كان غارقاً في القراءة، سمع خبطاً عنيفاً على الباب. "افتح يا سيد.. أنا عارف إنك فتحت الصندوق!" كان صوت عاشور ورجاله. أدرك عم سيد أنه في خطر محقق. تذكر أن دكانه القديم متصل بممر سري كان يُستخدم قديماً لتخزين المياه، ويؤدي مباشرة إلى سطح البيت المجاور. جمع الأوراق والمفتاح بسرعة، ووضع في الصندوق قطعاً من الحديد القديم ليوهمهم أن الكنز ما زال بداخله.
اقتحم عاشور الدكان محطماً الباب، ووجد الصندوق مغلقاً مرة أخرى. قال بضحكة هستيرية: "هات الصندوق ده يا عجوز!". بينما كان عاشور يحاول فتح الصندوق بعنف، كان عم سيد قد تسلق السلم الخشبي ووصل إلى السطح. ومن فوق الشرفات المتلاصقة، بدأ يركض بخفة لم يعهدها في نفسه من قبل، والكلاب تنبح في الزقاق لتنبه الجميع أن هناك مطاردة فوق الرؤوس.
وصل عم سيد إلى "قسم الشرطة" في ساعة متأخرة، وسلم الأوراق والمفتاح للمأمور. وفي الصباح التالي، كانت الحارة على موعد مع زلزال اجتماعي. تم القبض على المعلم عاشور بعد مداهمة بيته والعثور على المستندات المزورة في القبو السري الذي فتحه المفتاح الذهبي.
عادت الحقوق لأصحابها، وأصبح عم سيد بطلاً في حارة السقايين. لكنه لم يتغير، ظل يجلس في دكانه، يصلح "الوابور" ويستمع لصوت المعادن. وعندما يسأله أحد عن الصندوق، يبتسم ويقول: "الصدأ اللي على النحاس كان سهل يتمسح، بس الصدأ اللي على القلوب هو اللي محتاج مجهود كبير".
وقف عم سيد عند ناصية الحارة، ينظر إلى المآذن العالية وهي تعانق السماء، وأدرك أن العدالة في الأحياء الشعبية قد تتأخر، لكنها تأتي دائماً برنة "مفتاح" صادقة تفتح أبواب الحق الموصدة. وبقيت قصته تُحكى في ليالي الحارة، عن السمكري الذي فك قفل التاريخ وأعاد للفقراء ما سرقه الطمع في غفلة من الزمن.
عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق
تعليقات: (0) إضافة تعليق