اهداء الى الكاتب الكبير واﻻعلامى العظيم=ابراهيم عيسي
اهداء للكاتبه الكبيره فريده الحلوانى ومتابعيها
صدى الراديو القديم في جاردن سيتي
في شوارع جاردن سيتي الدائرية، حيث الأشجار الضخمة التي شهدت على تاريخ القاهرة الملكي، كانت الفيلات القديمة تقف كأنها حراس صامتون على أسرار لا يمحيها الزمن. في واحدة من تلك الفيلات التي بدت وكأنها مهجورة، كان يعيش "سامي"، الشاب الثلاثيني الذي يعمل في ترميم الساعات والآلات الدقيقة. سامي لم يكن شاباً عادياً، فقد كان يملك هوساً بكل ما هو قديم، وكان يؤمن أن الجمادات تملك أرواحاً تتحدث لمن يحسن الإنصات إليها.
صدى الراديو القديم في جاردن سيتي
في شقته بالدور الأرضي، التي تفوح منها رائحة الزيت والتروس الصدئة، كان سامي يقضي لياليه وحيداً. بدأت القصة عندما اشترى من مزاد علني "راديو" خشبياً ضخماً يعود لأربعينيات القرن الماضي. الراديو كان قطعة فنية، لكنه كان معطلاً تماماً. لأسابيع طويلة، انكب سامي على فك تروسه وتنظيف صماماته الزجاجية، حتى جاءت الليلة التي استطاع فيها أخيراً إعادته للحياة.
بمجرد أن أدار المفتاح الخشبي، صدر من الراديو أزيز مزعج، ثم بدأ يخرج صوتاً غريباً. لم تكن إذاعة القرآن الكريم ولا إذاعة الشرق الأوسط، بل كان صوتاً مشوشاً لرجل وامرأة يتحدثان بلهجة مصرية أرستقراطية قديمة. في البداية، اعتقد سامي أنه تداخل في الموجات، لكن الكلمات التي التقطها جعلت قلبه يتوقف عن النبض.
قالت المرأة بصوت مرتجف: "يا فؤاد، السم في الكأس جاهز، لو شرب منه الليلة، كل شيء هينتهي، والفيلا والفلوس هتبقي لينا". رد الرجل بصوت غليظ ومكتوم: "الخوف مش من السم يا نادية، الخوف من البستاني، الولد ده بيشوف كل حاجة، لازم نخلص منه هو كمان". انقطع الإرسال فجأة وحل محله سكون تام.
تصبب سامي عرقاً. هل يعقل أن هذا الراديو يسجل أصواتاً من الماضي؟ أم أنه يلتقط "صدى" جريمة حدثت في هذه الفيلا تحديداً؟ قرر سامي أن يبحث في تاريخ المكان. سأل البوابين القدامى، وبدأ يتردد على الأرشيف القومي، حتى عرف الحقيقة. في عام 1952، قبل الثورة بأشهر قليلة، وقعت حادثة تسمم غامضة لصاحب هذه الفيلا، الباشا "إسماعيل شكري"، وقيل وقتها إنها سكتة قلبية، واختفى البستاني الخاص به في ظروف غامضة ولم يُعثر له على أثر.
بينما كان سامي غارقاً في أبحاثه، دخلت حياته "ليلى"، وهي باحثة في التاريخ الموسيقي، كانت تسكن في العمارة المقابلة. نشأت بينهما قصة حب سريعة، مغلفة بجو من الغموض الذي يحيط بهما. حكى لها سامي عن الراديو، وفي البداية ضحكت واعتبرت الأمر خيالاً علمياً، لكن عندما سمعت معه في إحدى الليالي صوت "نادية" وهي تبكي وتتوسل لـ "فؤاد" ألا يقتلها لأنها نادمة، شحب وجه ليلى تماماً.
قالت ليلى بصوت متهدج: "سامي، نادية هي جدة صاحب الفيلا الحالي، الرجل الذي يريد طردك من شقتك لبيع الأرض لمستثمرين. هذا الراديو ليس مجرد آلة، إنه شاهد ملك". بدأت الأحداث تتسارع عندما لاحظ سامي أن هناك من يراقبه. سيارات غريبة تقف أمام مدخل الفيلا، ورجال بملامح قاسية يسألون عنه في المقاهي المجاورة.
في ليلة ممطرة، وبينما كان سامي وليلى يحاولان تسجيل ما يخرج من الراديو، انطفأت الأنوار فجأة. سمع سامي صوت كسر زجاج النافذة. تذكر نصيحة "هيتشكوك" التي قرأها يوماً: "الخوف ليس في المفاجأة، بل في انتظارها". سحب ليلى خلف خزانة الساعات الكبيرة، وأمسك بمفكه الحديدي الطويل.
دخل رجلان الشقة، لم يكونا يبحثان عن المال، بل كان هدفهما الراديو. سمع سامي أحدهما يقول بلهجة إجرامية حديثة: "الباشا الكبير قال الراديو ده لازم يتكسر مية حتة، مذكرات جده المسجلة عليه ممكن تودي عائلات كتير في داهية وتوقف صفقة بيع الأرض". هنا أدرك سامي أن الأمر ليس سحراً أو صدى من الماضي، بل كان الراديو يحتوي على جهاز تسجيل "سلكي" قديم ومبتكر، وضعه البستاني الذكي قبل اختفائه ليوثق الجريمة، وكان يعمل آلياً بمجرد تشغيل الراديو.
بذكاء المرمم، قام سامي بتوصيل سلك كهربائي مكشوف ببدن الراديو المعدني الخلفي. عندما اقترب أحد الرجلين ليمسك بالراديو، صرخ صرخة هزت أركان الفيلا وهو يسقط مصعوقاً. استغل سامي الفرصة واندفع مع ليلى نحو الباب، لكن الرجل الثاني كان أسرع، وأمسك برقبة سامي.
في تلك اللحظة، وبطريقة درامية تليق بفيلم سينمائي، اشتغل الراديو من تلقاء نفسه وبأعلى صوت، ليس بصوت نادية وفؤاد، بل بصوت صفارات إنذار قديمة كانت مسجلة في نهاية الشريط. ارتبك القاتل للحظة، ظناً منه أن الشرطة قد وصلت بالفعل. كانت تلك اللحظة كافية لليلى لتقذف بآلة تنظيف ثقيلة على رأسه، ليسقط مغشياً عليه بجانب زميله.
هرب سامي وليلى وأبلغا الشرطة، وسلموا الراديو الذي كان يحتوي على "الصندوق الأسود" لجريمة عمرها أكثر من سبعين عاماً، وجرائم فساد حديثة تتعلق بتهريب آثار وتزوير أوراق ملكية الأرض.
انتهت القضية بسجن المتورطين، لكن سامي لم يعد كما كان. انتقل مع ليلى إلى شقة جديدة في حي هادئ، لكنه لم يشترِ أي راديو جديد. كان يجلس في شرفته، ينظر إلى النيل، ويفكر في أن بعض الأصوات لا تموت، وأن الحقيقة مهما طال دفنها تحت التراب، ستجد دائماً "نغمة" تخرج بها إلى النور، لتكشف زيف القاتل وصدق الضحية.
روايات اخرى
للكاتب / هيتشكوك مصر
اهداء الى الكاتب الكبير واﻻعلامى العظيم=ابراهيم عيسي
اهداء للكاتبه الكبيره فريده الحلوانى ومتابعيها
اشترك من هنا قصص لك الروايه اليوميه تابعنا اضغط من هنا👇
عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق
تعليقات: (0) إضافة تعليق