اهداء الى الكاتب الكبير واﻻعلامى العظيم=ابراهيم عيسي
اهداء للكاتبه الكبيره فريده الحلوانى ومتابعيها
صدى الخديعة في فيلا الشيخ زايد
في ضواحي مدينة الشيخ زايد الهادئة، حيث الشوارع الواسعة والفلل الفاخرة التي توحي بالطمأنينة والرفاهية، كان "شريف" يعيش حياة يغبطه عليها الكثيرون. شريف مهندس ديكور ناجح، معروف بدقته المتناهية وهوسه بالتفاصيل الصغيرة التي لا يلاحظها أحد غيره. كان يؤمن أن الجمال يكمن في التناسق، وأن أي خلل في هذا التناسق، مهما كان ضئيلاً، ينذر بكارثة. كان متزوجاً من "نور"، المرأة التي اختارها قلبه لتكون شريكة حياته ونجاحه، وكانت تجمع بين الجمال الهادئ والذكاء الحاد.
صدى الخديعة في فيلا الشيخ زايد
بدأت خيوط القصة تتشابك في ليلة شتوية دافئة داخل الفيلا. كان شريف يعمل في مكتبه بالطابق العلوي على مشروع جديد، بينما كانت نور في الأسفل تشاهد التلفاز. فجأة، تعطل النظام الصوتي الذكي في البيت وبدأ يخرج صوتاً مشوشاً، كأنه تداخل لمكالمة هاتفية قريبة. التقطت أذن شريف المدربة كلمة واحدة بصوت رجولي مألوف جداً: "الساعة الثانية.. عند النافورة الخلفية".
تجمدت يد شريف فوق أوراق الرسم. الصوت كان يشبه تماماً صوت "عادل"، صديق عمره وشريكه في المكتب الهندسي. مسح شريف وجهه بيده محاولاً طرد الأفكار السوداء، لكن "عرق" الشك بدأ يتسلل إلى قلبه. تذكر أسلوب "هيتشكوك" في جعل البطل يرى أو يسمع شيئاً يبدو بسيطاً ولكنه يغير مسار حياته بالكامل. قرر شريف ألا يواجه نور فوراً، بل أن يستخدم مهارته في "تصميم الفراغات" ليصمم فخاً يكشف الحقيقة.
في الأيام التالية، بدأ شريف يلاحظ "النشاز" في سيمفونية حياته الزوجية. عطر جديد لم يشتره لنور، تأخرها المفاجئ في صالة الألعاب الرياضية، ونظرات عادل التي أصبحت تتجنب الالتقاء بعينيه في المكتب. كان شريف يبتسم في وجههما، بينما كان في الداخل يحترق غيظاً. قرر أن يدعي سفره إلى الإسكندرية لمتابعة مشروع وهمي لمدة ليلتين، وأخبر نور وعادل بذلك في غداء عمل مشترك، مراقباً بدقة بريق الفرح الخفي الذي لمع في عينهما.
ليلة السفر المزعومة، لم يغادر شريف الشيخ زايد. بدلاً من ذلك، استأجر سيارة غير معروفة وركنها بعيداً عن الفيلا، وتسلل عبر الحديقة الخلفية إلى "غرفة المراقبة" السرية التي صممها أسفل القبو، وهي غرفة معزولة تماماً ولا يعرف أحد بوجودها. كانت الغرفة مزودة بشاشات تعرض كل ركن في الفيلا بفضل كاميرات مجهرية زرعها شريف في البراويز وفتحات التكييف.
الساعة تجاوزت منتصف الليل. ظهرت نور على الشاشة وهي ترتدي فستاناً أحمر لم يره شريف من قبل، كانت تبدو متوترة ومنتظرة. بعد دقائق، فُتح الباب الجانبي ودخل عادل. لم يكن لقاءً عادياً بين صديق وزوجة صديقه، بل كان عناقاً يكشف عن خيانة عميقة استمرت لشهور. لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في الخيانة العاطفية فقط.
سمع شريف عبر أجهزة التنصت الدقيقة عادل وهو يقول: "هل وقع على أوراق التنازل عن نصيبه في الشركة؟". ردت نور بصوت بارد لم يعرفه شريف من قبل: "ليس بعد، هو حذر جداً، لكنني وضعت له (المسحوق) في قهوة الصباح بجرعات بسيطة، قريباً سيبدأ يشعر بالدوار وعدم التركيز، ووقتها سأجعله يوقع على كل شيء ظناً منه أنها أوراق المشروع الجديد".
سقط قلب شريف في قدميه. الخيانة لم تكن في المشاعر فقط، بل كانت مؤامرة قتل بطيء واستيلاء على تعب عمره. تذكر كيف كان يشعر بالصداع والدوار في الأيام الماضية، وظن أنه بسبب الإرهاق. الآن، الصورة اكتملت تماماً. عادل ونور يخططان للتخلص منه بـ "سكتة قلبية" وهمية ليرثا الشركة والفيلا معاً.
بدلاً من الانهيار، تحركت عقلية شريف الهندسية. كان يعلم أن الفيلا تحتوي على نظام إغلاق أمني (Panic Room System) يمكن تفعيله من القبو. بضغطة زر واحدة، نزلت ستائر حديدية ضخمة على كل الأبواب والنوافذ، وأغلقت الفيلا تماماً، وتحولت من مسكن فاخر إلى سجن لا يمكن الخروج منه.
ذعرت نور وعادل عندما سمعا صوت الانفجار المكتوم لإغلاق الأبواب. انطفأت الأنوار العادية، واشتغلت أضواء الطوارئ الحمراء، لتمنح المكان جواً مرعباً. صرخ عادل: "ماذا يحدث؟ هل تعطل النظام؟". وفجأة، دوت ضحكة شريف عبر مكبرات الصوت في كل الغرف.
"النظام يعمل بدقة يا عادل.. تماماً كما صممته"، قال شريف بصوت هادئ يقطر سماً. "أهلاً بكما في مسرح جريمتكما التي لن تكتمل. كل كلمة قلتماها، وكل حركة قمتما بها، مسجلة الآن بالصوت والصورة، ومرسلة مباشرة إلى خادم سحابي لا تملكان الوصول إليه".
حاول عادل كسر الزجاج، لكنه كان زجاجاً مضاداً للرصاص. حاولت نور الصراخ، لكن الجدران كانت معزولة تماماً للصوت. استمر شريف في الحديث: "القهوة التي شربتماها الآن من المطبخ أثناء انتظاري.. وضعت لكما فيها نفس (المسحوق) الذي وضعتيه لي يا نور، لكن بجرعة مضاعفة. لا تقلقا، لن تموتا، لكنكما ستشعران بشلل مؤقت يجعل عضلاتكما لا تستجيب لأوامر عقولكما الخائنة".
بدأ عادل ونور يشعران بالدوار ويسقطان على الأرض ببطء، وعيناهما تمتلئان بالرعب. نزل شريف من القبو ببطء، ودخل الصالون وهما ممددان على السجادة الفاخرة، غير قادرين على الحركة ولكن بكامل وعيهما. وقف فوقهما بوقار، وقال: "الخيانة نغمة نشاز في سيمفونية الحياة، وأنا مهندس ديكور لا أحتمل النشاز. سأترككما هنا للشرطة التي هي الآن في طريقها إلينا، بعد أن أرسلت لها تسجيل اعترافكما بالقتل العمد".
وصلت سيارات الشرطة، واقتيد عادل ونور في فضيحة دوت أصداؤها في كل حي الشيخ زايد. عاد الهدوء للفيلا، لكن شريف لم يعد يرى الجمال في جدرانها. قام ببيع الفيلا وكل ممتلكاته، وانتقل للعيش في مكان بعيد، مدركاً أن أدق التفاصيل التي كان يقدسها هي التي أنقذت حياته، وأن الخديعة مهما كانت محبوكة، لا بد أن تترك "صدى" يكشفها لمن يحسن الإنصات.
وقف شريف أمام البحر في رحلته الجديدة، وأخرج خاتم الزواج من جيبه وقذفه في الأعماق، مراقباً الدوائر التي يصنعها في الماء قبل أن يتلاشى، تماماً كما تلاشت نغمة الخيانة من حياته، ليحل محلها صمت الوحدة.. الصمت الذي هو أصدق من أي وعود كاذبة.
عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق
تعليقات: (0) إضافة تعليق