تاج كود المهن ------------- النغمة المفقودة على سطح النيل

القائمة الرئيسية

الصفحات

النغمة المفقودة على سطح النيل



للكاتب / هيتشكوك مصر

اهداء الى الكاتب الكبير واﻻعلامى العظيم=ابراهيم عيسي 

اهداء للكاتبه الكبيره فريده الحلوانى ومتابعيها

النغمة المفقودة على سطح النيل

كانت ليلة شتوية كثيفة الضباب، تكاد تخفي معالم القاهرة وتجعل أضواء البرج والعمائر المطلة على النيل تبدو كبقع ضبابية باهتة. على كورنيش منطقة "الكيت كات"، وقف "عم حسن"، رجل في الستينيات من عمره، يرتدي نظارة سوداء ويمسك عصا بيضاء، ينتظر بحذر. عم حسن لم يكن مجرد كفيف، بل كان أشهر "مضبط بيانو" (Piano Tuner) في القاهرة. يقال إن أذنيه تستطيعان سماع دبيب النملة، وإن أصابعه تملك سحراً يعيد الحياة لأي آلة موسيقية ميتة.

روايات وقصص قصيره لهيتشكوك مصر
النغمة المفقودة على سطح النيل


تم استدعاؤه في وقت متأخر لضبط بيانو أثري في إحدى العوامات السكنية الفخمة الراسية على النيل. صاحب العوامة، رجل الأعمال "مراد"، كان يصر على تجهيز البيانو لحفلة خاصة جداً ستقام في الصباح الباكر. نزل حسن الدرج الخشبي المؤدي للعوامة بحذر، تلسع وجهه برودة النهر ورائحة الطحالب. استقبله الحارس وأدخله الصالون الفسيح، ثم تركه وحيداً مع البيانو الكبير وانصرف ليحرس البوابة.

بدأ حسن عمله في صمت. كان يضغط على المفاتيح، ويشد الأوتار بمفتاحه المعدني، ويستمع للذبذبات بدقة متناهية. العالم بالنسبة لحسن هو سيمفونية من الأصوات، وهو المايسترو الذي يضبط نشازها. كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل، والهدوء يلف المكان، لا يقطعه سوى صوت ارتطام الأمواج الخفيف بجسم العوامة الخشبي.

فجأة، سمع حسن صوت خطوات تقترب. ليست خطوات الحارس، الحارس يرتدي حذاءً ثقيلاً يجرجر قدميه. هذه خطوات سريعة، واثقة، وحذاء ذو نعل جلدي فاخر يصدر صوتاً إيقاعياً حاداً على الخشب. وتوقفت الخطوات عند الباب. ثم سمع صوتاً آخر.. صوت نسائي، يهمس بتوتر وخوف.

تلقائياً، توقف حسن عن العزف. حدسه أخبره أن هناك شيئاً خاطئاً. اختبأ خلف جسم البيانو الضخم في الزاوية المظلمة من الصالون.
دخل رجل الأعمال "مراد" ومعه امرأة. كانا يتشاجران بصوت مكتوم.
قالت المرأة بصوت مرتعش: أنت وعدتني يا مراد! قلت إنك هتطلقها وهنتجوز! أنا مش هسكت تاني، أنا هفضح كل ورق الصفقات المشبوهة للضرايب!
رد مراد بصوت بارد كالثلج، صوت رجل اعتاد أن يشتري كل شيء أو يكسره: صوتك عالي يا (نيرة). إحنا في وسط النيل، ومحدش هيسمعك غير السمك.


سمع حسن صوت احتكاك ملابس، ثم صوت ضربة مكتومة، وشهقة مفاجئة انقطعت في منتصفها. بعدها، ساد صمت رهيب، تلاه صوت شيء ثقيل يسقط على السجادة الفاخرة.
كان حسن يرتجف خلف البيانو. هو لم يرَ شيئاً، لكن أذنيه رسمت له المشهد بدقة 4K. مراد خنق المرأة. سمع صوت الحشرجة، وصوت الجلد وهو يحتك بالجلد، ثم السقوط.

بدأ مراد يتحرك في الغرفة، يلهث قليلاً. سمع حسن صوت سحب الجثة على الأرض، ثم صوت فتح باب الشرفة المطلة على النيل مباشرة. وصوت ارتطام جسم كبير بالماء. تشششش..
أغلق مراد الشرفة. ثم أخرج سيجارة وأشعلها. رائحة التبغ الفاخر ملأت الغرفة، ممزوجة برائحة عرق القاتل.
كان حسن يعلم أنه إذا تحرك، أو أصدر أي صوت، فسيكون مصيره مثل "نيرة". حبس أنفاسه لدرجة الألم.

ولكن، وكأن القدر يعزف نغمة نشاز، رن هاتف حسن المحمول في جيبه! لقد نسي إغلاقه.
رنة كلاسيكية عالية قطعت صمت الجريمة.
تخشب مراد. سقطت السيجارة من يده.
قال مراد بصوت مرعب: مين هنا؟

حاول حسن التحرك، لكن عصاه اصطدمت بكرسي البيانو وأحدثت ضجة.
أدرك مراد مكان الصوت. "اظهر وبان يا جبان!"
خرج حسن ببطء، رافعاً يديه، وعيناه مغلقتان خلف النظارة السوداء.
ضحك مراد ضحكة هستيرية عندما رآه: أنت! المضبطاتي الأعمى! كنت فاكرك مشيت.

اقترب مراد منه ببطء، والشر يقطر من صوته: أنت مشفتش.. بس سمعت. وفي المحكمة، الشاهد الأعمى أحياناً بيكون أخطر من المفتح. للأسف يا عم حسن.. أنت كنت في المكان الغلط في الوقت الغلط.

هجم مراد على حسن ليخنقه كما فعل مع نيرة.
لكن حسن، ورغم عجز بصره، كان يملك ميزة واحدة في هذا الموقف. إنه يعرف "جغرافية الصوت".
قبل أن يصل إليه مراد، مد حسن يده بسرعة إلى المفتاح الكهربائي القريب الذي حفظ مكانه بمجرد دخوله، وأطفأ الأنوار.
غرقت العوامة في ظلام دامس.

"أنت فين يا حيوان!" صرخ مراد وهو يتعثر في الأثاث.
كان حسن يتحرك بخفة القطط، يتتبع صوت أنفاس مراد وحركة ملابسه.
أمسك حسن بـ "وتر بيانو" معدني حاد كان قد فكه للصيانة، وربطه بين قدمي طاولة الوسط ومقعد البيانو، صانعاً فخاً في مسار حركة مراد المتوقع.
ثم رمى "فازة" صغيرة في الاتجاه المعاكس لتشتيت الانتباه.

تعثر مراد في الوتر المعدني المشدود. سقط بقوة وارتطم رأسه بحافة البيانو الصلبة. صرخ صرخة ألم، ثم سكت.
لم ينتظر حسن. تحسس طريقه نحو الباب الخارجي، وخرج للهواء الطلق، وبدأ يصرخ للحارس وللمراكب المارة في النيل: "إلحقوني! جريمة قتل!"

وصلت شرطة المسطحات المائية. وجدوا مراد فاقداً الوعي والدماء تسيل من جرح في جبهته، وآثار الخنق واضحة على يديه، وكاميرات المراقبة في الشارع سجلت دخول نيرة ولم تسجل خروجها.
وفي المحكمة، كان حسن هو الشاهد الرئيسي.
سأله القاضي: كيف عرفت أنه هو القاتل وأنت لم ترَ وجهه؟
أجاب حسن بوقار: يا سيادة القاضي، العيون ممكن تكدب، وتشوف اللي هي عايزاه. لكن الصوت عمره ما يكدب. صوت "الخيانة" ليه نغمة معينة، وصوت "الموت" ليه وقع تقيل.. وأنا ودني عمرها ما خانتني في نغمة.

تم العثور على جثة نيرة لاحقاً، وحكم على مراد بالمؤبد.
وعاد عم حسن لورشته الصغيرة، يضبط أوتار البيانو، لكنه منذ تلك الليلة، كلما سمع صوت ارتطام شيء بالماء، يتوقف عن العزف للحظة، ويترحمه على النغمة التي انقطعت قبل أوانها في قاع النيل.

للكاتب / هيتشكوك مصر
اهداء الى الكاتب الكبير واﻻعلامى العظيم=ابراهيم عيسي 
اهداء للكاتبه الكبيره فريده الحلوانى ومتابعيها
اشترك من هنا قصص لك الروايه اليوميه تابعنا اضغط من هنا👇


  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
طريقه نت

إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق