اهداء الى الكاتب الكبير واﻻعلامى العظيم=ابراهيم عيسي
اهداء للكاتبه الكبيره فريده الحلوانى ومتابعيها
سر الحقيبة الجلدية في حي المعادي
كانت منطقة المعادي في ذلك الوقت من العام تكتسي برداء من أوراق الشجر الصفراء التي تتساقط لتغطي الشوارع الهادئة، حيث تمتزج رائحة أشجار الياسمين العتيقة ببرودة هواء المساء. سلمى، مهندسة ديكور في أواخر العشرينيات، كانت قد انتقلت للتو إلى شقة قديمة تطل على النيل، شقة كانت في الأصل جزءا من قصر قديم تم تقسيمه. لم تكن سلمى تبحث عن الفخامة بقدر ما كانت تبحث عن الهدوء بعد قصة حب فاشلة تركت في قلبها ندوبا لا تلتئم بسهولة.
سر الحقيبه الجلديه
في الشقة المقابلة، كان يعيش عمر، وهو كاتب سيناريو غامض، نادرا ما يغادر منزله نهارا، لكنه يقضي الليل واقفا في شرفته يدخن غليونه ويراقب المارة القلائل. بدأت العلاقة بينهما بابتسامات خجولة عند المصعد، ثم تطورت إلى أحاديث طويلة عن الفن والأدب. كان عمر يمثل لسلمى الغموض الجذاب، وكان يرى فيها الحيوية التي افتقدها في كتاباته. ولكن، خلف هذا الهدوء الرومانسي، كان هناك شيء ما يتحرك في الظلام.
في ليلة عاصفة، بينما كانت سلمى تنظف ركنا مهجورا في خزانتها الكبيرة، اكتشفت وجود لوح خشبي يتحرك في الأرضية. بدافع الفضول، رفعت اللوح لتجد حقيبة جلدية صغيرة قديمة، مغطاة بطبقة سميفة من الأتربة. فتحت الحقيبة لتجد بداخلها مجموعة من الصور الفوتوغرافية القديمة لرجل وامرأة في الستينيات، ومفتاحا ذهبيا غريبا، وخطابات مكتوبة بخط يد مرتجف، تتحدث عن "الأمانة التي يجب ألا تخرج من جدران المعادي".
لم تدرك سلمى أن هذه الحقيبة ستكون بداية كابوس حقيقي. في اليوم التالي، لاحظت أن شقتها قد تم العبث بها في غيابها، لكن الغريب أن اللصوص لم يسرقوا الذهب أو الأموال، بل كانت الحقيبة الجلدية هي الهدف، لكنهم لم يجدوها لأن سلمى كانت قد نقلتها إلى سيارتها. شعرت سلمى بالخطر يحيط بها، فالتجأت إلى عمر، الشخص الوحيد الذي وثقت به في ذلك المبنى المريب.
عندما أخبرت عمر بالقصة، تبدلت ملامحه تماما. ساد صمت طويل، ثم قال بصوت هادئ ومريب في آن واحد إن هذه الحقيبة تخص جده الذي كان يعمل في التجارة العامة، وإن هناك شائعات قديمة عن ثروة مخبأة أو أسرار سياسية قد تدمر عائلات عريقة في مصر. عرض عمر عليها المساعدة في فك شفرة الخطابات، وبدأت بينهما رحلة بحث في شوارع القاهرة القديمة، من وسط البلد إلى خان الخليلي، تلاحقهما سيارة سوداء مجهولة في كل خطوة.
تطورت المشاعر بينهما وسط هذا الخطر، فالحب الذي يولد في أجواء الخوف يكون أكثر حدة واشتعالا. كان عمر يبدو كالبطل المنقذ، يطمئنها في لحظات ذعرها، ويعدها بأن كل شيء سينتهي بسلام. وفي ليلة حاسمة، أخبرها عمر أنه اكتشف مكان "الكنز" الذي تشير إليه الخطابات، وأنه يقع في قبو مهجور أسفل المبنى الذي يسكنون فيه.
نزلا معا إلى القبو، كانت الرطوبة عالية وصوت قطرات الماء يسقط بإيقاع رتيب يثير التوتر. كان عمر يمسك بمصباح يدوي، بينما كانت سلمى تمسك بالحقيبة الجلدية والمفتاح الذهبي. عندما وصلا إلى باب حديدي قديم، طلبت سلمى من عمر أن يفتحه بالمفتاح. في تلك اللحظة، رن هاتف سلمى برسالة نصية من صديقتها التي تعمل في مصلحة السجلات، كانت الرسالة تقول "سلمى، احذري، الشخص الذي يسكن في الشقة أمامك ليس عمر الحقيقي، عمر الأصلي توفي منذ ثلاث سنوات في حادث، هذا الرجل ينتحل شخصيته!".
تجمدت الدماء في عروق سلمى. نظرت إلى ظهر الرجل الذي كان يحاول فتح الباب. شعرت أن كل كلمة حب نطق بها كانت مجرد طعم لجذبها إلى هنا. التفت الرجل ببطء، ولم تعد نظراته هادئة كما كانت، بل برزت فيها نظرة وحشية غريبة. قال لها ببرود "كنت أتمنى ألا تعرفي الحقيقة الآن يا سلمى، كان يمكننا أن نعيش قصة الحب هذه حتى النهاية، لكن الجشع دائما ما يفسد كل شيء".
أدركت سلمى أنها في مواجهة قاتل محترف يريد السر الذي تجمعه الحقيبة، وهو ليس كنزاً من الذهب، بل مذكرات تثبت تورط شخصيات نافذة في جرائم قديمة، وهو يعمل لصالحهم. في لحظة خاطفة، عندما حاول الهجوم عليها، استخدمت سلمى علبة رذاذ الفلفل التي كانت تحملها في حقيبتها، وأصابت عينيه. ركضت في ممرات القبو المظلمة، وهي تسمع صرخاته وتهديداته التي ترددها الجدران.
استطاعت سلمى الوصول إلى الشارع والاستنجاد بدورية شرطة كانت تمر بالصدفة. تم القبض على الرجل، واكتشفت الشرطة أنه مسجل خطر هارب من أحكام قضائية، وكان يراقب الشقة منذ زمن بانتظار ظهور هذه الحقيبة. تبين أن "عمر" المزيف كان جزءا من شبكة إجرامية كانت تبحث عن تلك الأوراق لسنوات طويلة.
عادت الحياة لهدوئها في المعادي، لكن سلمى لم تعد كما كانت. كانت تنظر إلى الشقة المقابلة وتتذكر كيف يمكن للحب أن يكون غطاء لأبشع الجرائم. سلمت الحقيبة للسلطات المختصة، وقررت الرحيل عن ذلك الحي. وفي آخر يوم لها، وقفت في الشرفة ونظرت إلى النيل، وأدركت أن بعض الأسرار يجب أن تظل مدفونة، وأن نغمات الحب قد تكون أحيانا أكثر نشازا من صوت الرصاص، إذا كانت تعزف على أوتار الخديعة.
عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق
تعليقات: (0) إضافة تعليق